الرأي المرأة الجزائرية …من التسوية الحقوقية إلى نسويّة المواطنة   د. سعيد مقدم 2026/10/16 14 0

إن الحديث عن المرأة المناضلة ليس حديثًا عن فئة تبحث عن امتيازات خاصة، بل عن مواطنة كاملة الحقوق، تمتلك الكفاءة والإرادة والقدرة على المساهمة في بناء الدولة، وتشارك في تحديد الأولويات وصناعة القرار، على المستويين المحلي والوطني.

ومن هنا تنطلق مقاربتنا من فكرة أساسية مفادها أن المساواة القانونية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها؛ فالرهان الحقيقي هو الانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى ممارسة المواطنة الفعلية، ومن مجرد الحضور العددي إلى التأثير الحقيقي في القرار.

أولًا: المكتسبات القانونية والواقع الإحصائي للمشاركة النسوية

ان المشاركة النسوية في الحياة السياسية هو حق انساني Un droit Humain وهو ضروري لترقية العدالة والمساواة بين الجنسين، وبدون المشاركة التامة والمتساوية للنساء، لا يمكن إقامة الديمقراطية، ضمان السلم، أو ترقية وتثمين التنمية المستدامة.

فقد منعت النساء لفترة طويلة جداً من أن يكنّ شريكات، وقد حان الوقت “وفقا لما توصل إليه منتدى النساء البرلمانيات في الندوة العالمية المنعقدة بمكسيكو في الفترة من 14 إلى 15 مارس 2025 وبحضور أكثر من 470 مشارك من بينهن 370 امرأة ورجل برلماني عن 56 دولة لتبني نموذج جديد للحكامةnouveau modèle de gouvernance قائم على تقسيم السلطة على قدم المساواة بين الرجال والنساء. خطة قائمة على ثلاثة أبعاد للتكافؤ بين الرجال والنساء.. La parité Hommes Femmes

(التكافؤ في العدد- التكافؤ بمفهوم التأثير والسلطة- وثقافة التكافؤ). وهي الأبعاد المرتبطة ولكنها مختلفة.

وفي هذا السياق قطعت الجزائر أشواطًا معتبرة في إقرار مبدأ المساواة بين النساء والرجال، وتكريس حق المرأة في المشاركة السياسية وتولي المسؤوليات. ويشكل الدستور، إلى جانب التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية التي صادقت عليها الجزائر ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة باتفاقية سيداو، سنة 1996، إطاراً مرجعيا لترقية هذه المشاركة.

غير أن تقييم هذه المكتسبات يقتضي الانتقال من النصوص القانونية إلى النتائج العملية، وهنا تبرز بعض المؤشرات التي تستحق منا وقفة جادة.

فقد بلغت نسبة تمثيل النساء في المجلس الشعبي الوطني سنة 2012، نحو 31.6 % أي ما يعادل قرابة ثلث المقاعد، ثم تراجعت سنة 2017 إلى 25.8% وإلى 8.1% سنة 2021.

قبل أن تندرج في تشريعيات 2 يوليو 2026، إلى 23 نائبة من أصل 407 مقعد، (أقل من 7 بالمائة). مما جعل تصنيف الجزائر وفقا لخريطة البرلمان الدولي لسنة 2026 إلى أن الجزائر مصنفة في المرتبة 169 من أصل 184 بلدًا (تتوفر عنها معلومات في تصنيف الاتحاد البرلماني الدولي).

وبخصوص الأعضاء في مجالس الوزراء اللائي يترأسن وزارات بنفس التاريخ (01/01/2026). صنفت الجزائر في المرتبة 90 من أصل 190 بلد (تتوفر عنها معلومات) أي الخامسة عربياً.

كما يبرز حضور المرأة في قطاعات ومؤسسات أخرى حضورًا واسعًا في القطاعات التعليمية والصحية والعدلية.

فالإحصائيات بعنوان 31/12/2023 تشير إلى: أن نسبة النساء تُشّكل اليوم حوالي 60% من تعداد القضاة و50% من أساتذة الجامعات، ما يعكس تطورًا نوعيًا في قدرات المرأة وتأهيلها لتولي مسؤوليات قيادية.

وان عدد النساء اللواتي يشغلن وظائف عليا (قيادية)في الدولة، وصل إلى: 887 من مجموع 5563. وإلى نسبة 35,74 % أي 15201 من مجموع 42536 إطار في المناصب العليا ذات الطابع الوظيفي.

وبصفة عامة، تمثل المرأة في تعداد قطاع الوظيفة العمومية: 1273691 من مجموع 2052792 موظف (أي ما يقارب 62 بالمائة من إجمالي الموظفين.)

أما على مستوى المجتمع المدني، فقد أحصت وزارة الداخلية، سنة 2021، 833 جمعية وطنية ومحلية تنشط في مجال حماية المرأة وترقيتها، موزعة بين 18 جمعية وطنية، و324 جمعية ولائية، و491 جمعية بلدية. كما بلغ عدد الجمعيات المعتمدة التي ترأسها نساء 3913 جمعية. وهي مؤشرات تؤكد وجود قاعدة جمعوية يمكن استثمارها في توسيع المشاركة النسوية وتأطيرها.

والجدير بالملاحظة، إن هذه الأرقام تكشف عن مفارقة تستحق التأمل: حضور نسوي واسع في الوظيفة العمومية ومجالات التأهيل العلمي والمهني، يقابله تراجع واضح في التمثيل البرلماني. وهو ما يؤكد أن الكفاءة وحدها لا تكفي، ما لم تتوافر بيئة سياسية وتنظيمية تتيح للمرأة الوصول إلى مواقع الترشح والفوز والتأثير في القرار.

ثانيًا: لماذا تراجعت المشاركة السياسية للمرأة؟

لا يمكن تفسير تراجع التمثيل النسوي بعامل واحد، بل بتداخل عوامل قانونية وسياسية واجتماعية وثقافية.

على المستوى القانوني: يرجع المراقبون هذا التدحرج المتواصل بشكل رئيسي، إلى تعديلين ادخلهما قانون انتخابات الجديد الصادر في مارس 2021.

فالتعديل الأول: يمنح الناخب صلاحية اختيار مرشح أو أكثر داخل القائمة الواحدة بمعزل عن ترتيبها الاصلي الذي يضعه الحزب. (أي القائمة المفتوحة). {وهو ما أضر عملياً بالمرشحات اللواتي غالبا ما توضع اسمائهن في مراتب غير قابلة للفوز}.

أما التعديل الثاني فيتيح لأي حزب أو قائمة حرة التقدم بطلب استثناء لدى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لتقديم أقل من 30% من النساء ضمن قوائمه. ما أفرغ عملياً الزامية الحصة النسوية من مضمونها القانوني

على المستوى السياسي: تؤثر طريقة إعداد القوائم الانتخابية، وموقع المرشحات فيها، ومدى التزام الأحزاب بتمكين النساء من مواقع قابلة للفوز، فضلًا عن محدودية الموارد المتاحة لبعض المترشحات.

على المستوى الاجتماعي: ما تزال المرأة تتحمل في كثير من الأحيان نصيبًا أكبر من الأعباء الأسرية، إلى جانب مسؤولياتها المهنية والنضالية. كما تستمر بعض الصور النمطية التي تربط القيادة بالرجال، وتتعامل مع مشاركة المرأة باعتبارها أمرًا ثانويًا أو تكميليًا.

ومن ثم، فإن تمكين المرأة لا يتحقق بمجرد فتح أبواب الترشح أمامها، وإنما يقتضي توفير شروط فعلية تسمح لها بالمنافسة العادلة، واكتساب الخبرة، والوصول إلى مواقع التأثير.

وهنا تبرز أهمية الانتقال من النسوية الحقوقية، التي تركز على الاعتراف بالحقوق، إلى النسوية المواطنة، التي تجعل المرأة شريكًا في تحمل المسؤولية، وصنع القرار، وخدمة الصالح العام.

ثالثًا: ما المطلوب من المرأة المناضلة لإنجاح الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟

الأخوات المناضلات،

إن المرحلة المقبلة تفرض علينا الانتقال من المشاركة الظرفية إلى العمل المنظم والمستمر. فالاستحقاق الانتخابي لا يبدأ يوم انطلاق الحملة، ولا ينتهي بإعلان النتائج، بل هو مسار متكامل من التواصل والتأطير وبناء الثقة وخدمة المواطنين.

1/: التواصل الميداني والاستماع إلى انشغالات المواطنين

يتعين على المرأة المناضلة الاقتراب من المواطنات والمواطنين في الأحياء والقرى والبلديات والفضاءات المهنية والجمعوية، والاستماع إلى انشغالاتهم الحقيقية، والعمل على تحويل مطالبهم إلى مقترحات واقعية قابلة للتنفيذ.

2/: التعريف بالبرامج الانتخابية والدفاع عنها بالحجة والإقناع.

ينبغي ربط البرامج الانتخابية بالاحتياجات الفعلية للمجتمع، ولا سيما في مجالات التشغيل والسكن والتعليم والصحة والنقل والبيئة والتنمية المحلية، مع تجنب الوعود غير الواقعية واعتماد خطاب واضح ومقنع.

3/: توسيع المشاركة النسوية والشبابية.

يتعين تشجيع النساء والشباب على المشاركة في الحياة السياسية، وممارسة حقهم الانتخابي، والإقبال على الترشح وتحمل المسؤوليات، مع مرافقة الكفاءات النسائية الشابة وتعزيز حضورها في مختلف الهياكل والفضاءات العامة.

4/: تعزيز الحضور النسوي في مواقع القيادة وصنع القرار.

لا يكفي أن تساهم المرأة في التعبئة والعمل الميداني، بل ينبغي أن تشارك فعليًا في إعداد البرامج، وتحديد الأولويات، واختيار المرشحين، وترتيب القوائم الانتخابية، وتولي المسؤوليات القيادية، على أساس الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.

5/: الاستثمار في التكوين السياسي والقانوني.

يُعد التكوين المستمر شرطًا أساسيًا لتمكين المرأة المناضلة من أداء دورها بفعالية، وذلك من خلال تطوير معارفها في الثقافة القانونية والانتخابية، والاتصال السياسي، والتفاوض، وإدارة الحملات، وصياغة البرامج، واستخدام الوسائط الرقمية.

6/: بناء التحالفات وشبكات التعاون النسوي.

ينبغي تعزيز التعاون بين المناضلات والنساء الجامعيات والمهنيات والمقاولات وفعاليات المجتمع المدني، وتبادل الخبرات بين مختلف الولايات، بما يسهم في توحيد الجهود وإدماج الانشغالات الاجتماعية والاقتصادية للمرأة والأسرة والشباب ضمن النقاش السياسي والبرامج الانتخابية.

7/: الالتزام بالنزاهة وأخلاقيات الممارسة السياسية.

يتعين التحلي بالمصداقية والمسؤولية، واحترام المنافسين، والتحقق من المعلومات قبل نشرها، ومواجهة الإشاعات والتضليل، ورفض شراء الأصوات أو الضغط على الناخبين، مع احترام سرية التصويت وحرية الاختيار والتقيد بأحكام القانون الانتخابي.

8/: المساهمة في متابعة العملية الانتخابية وتقييم نتائجها

يتعين على المناضلات، ضمن الأطر القانونية المعتمدة، المساهمة في متابعة نزاهة العملية الانتخابية، والإبلاغ عن المخالفات عبر القنوات الرسمية، ثم تقييم نتائج المشاركة بعد الانتخابات ومتابعة مدى الوفاء بالالتزامات المعلنة.

9/: تعزيز دور الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات في التأطير والمرافقة.

من الضروري أن يضطلع الاتحاد بدور مستمر في تكوين المناضلات، ومرافقة المترشحات، وتنظيم ورشات حول القوانين الانتخابية والقيادة والتواصل، وتبادل التجارب الناجحة، بما يساعد على إعداد كفاءات نسائية مؤهلة للمشاركة في تسيير الشأن العام وصنع السياسات العمومية.

10/: الانتقال من مساندة المرشحين إلى المبادرة بالترشح وتحمل المسؤولية.

المطلوب من المرأة المناضلة ألا يقتصر دورها على دعم القوائم والمرشحين، بل أن تطمح أيضًا إلى الترشح وتولي المسؤوليات المنتخبة والقيادية، والمساهمة المباشرة في صياغة السياسات العمومية ومتابعة تنفيذها وتقييم نتائجها.

إن نجاح المرأة المناضلة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لا يُقاس فقط بحجم التعبئة أو بعدد الأصوات المحصل عليها، بل بقدرتها على بناء الثقة، وترسيخ الوعي السياسي، وإبراز الكفاءات النسوية، وتوسيع المشاركة المواطنة، وضمان حضور انشغالات المجتمع في البرامج والسياسات.

فالرهان الحقيقي ليس أن تكون المرأة مجرد عنصر في التعبئة الانتخابية، بل أن تكون شريكة في إعداد البرامج، وصناعة القرار، وممارسة المسؤولية، ومساءلة أصحاب السلطة، على أساس الكفاءة والاستحقاق والمواطنة الفعلية.

رابعًا: من التمثيل العددي إلى التأثير الفعلي

إن التحدي الحقيقي لا يتعلق بعدد النساء داخل المؤسسات فحسب، وإنما بمدى قدرتهن على ممارسة صلاحياتهن، والمشاركة في تحديد الأولويات، ورئاسة اللجان، والمساهمة في إعداد السياسات ومراقبة تنفيذها.

ومن هنا، تقع على الأحزاب السياسية مسؤولية توفير فرص منصفة للمناضلات، وتمكينهن من مواقع متقدمة في القوائم الانتخابية، وإشراكهن في الهيئات القيادية، وتوفير التكوين والدعم اللازمين لهن.

كما يتعين على الجمعيات النسوية، ومنها الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، تعزيز التأطير والتكوين والتنسيق، وتطوير برامج مستمرة لإعداد القيادات النسوية، بدل حصر النشاط في المناسبات الانتخابية.

ولا يمكن إغفال التحديات الاجتماعية والثقافية التي تواجه المرأة، ومنها الصور النمطية، وتعدد المسؤوليات الأسرية والمهنية، وضعف شبكات الدعم. وتقتضي مواجهتها ترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية، وتعزيز التضامن المؤسسي والمجتمعي، وإبراز نماذج نسائية ناجحة في التسيير والقيادة.

إن الأرقام التي عرضناها تضعنا أمام مسؤولية مشتركة: كيف نفسر التراجع في التمثيل البرلماني للمرأة رغم حضورها الواسع في التعليم والوظيفة العمومية ومختلف المهن؟ وكيف نحول الكفاءة النسوية إلى مشاركة سياسية فعلية ومؤثرة؟

إن الإجابة تبدأ بإرادة سياسية وتنظيمية جادة، وبمناضلات يمتلكن الوعي والكفاءة وروح المبادرة، ويؤمنّ بأن العمل السياسي خدمة للمواطن والمجتمع، لا مجرد حضور ظرفي خلال الحملات الانتخابية.

وعليه، أدعو إلى جعل الاستحقاقات المقبلة فرصة لتجديد أساليب العمل النسوي، وتكثيف التكوين والتواصل الميداني، وتعزيز حضور النساء في مواقع الترشح والقيادة، وترسيخ النزاهة والمصداقية، ومتابعة الالتزامات بعد الانتخابات.

فالمرأة الجزائرية التي أسهمت بالأمس في معركة التحرير، وشاركت بعد الاستقلال في بناء الدولة، مدعوة اليوم إلى الإسهام الفعلي في صناعة القرار وترقية الحوكمة والتنمية المحلية والوطنية.

إن الانتقال من النسوية الحقوقية إلى النسوية المواطنة يعني أن تكون المرأة شريكة كاملة في الحقوق والواجبات، وفي تحديد الأولويات وصنع المستقبل، على أساس الكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص.

ولنجعل من شعارنا العملي: لا نريد للمرأة أن تكون مجرد رقم في قائمة انتخابية، بل نريدها شريكة في إعداد البرنامج، وصناعة القرار، وممارسة المسؤولية، ومساءلة أصحاب السلطة.

فمن منطق التسوية الحقوقية ننتقل إلى التسوية المواطنة، ومن المشاركة العددية إلى التأثير الفعلي، ومن المطالبة بالحقوق إلى الممارسة المسؤولة للواجبات والحقوق معًا.

وبذلك تصبح المرأة المناضلة شريكًا كاملًا في بناء دولة المؤسسات، وتعزيز الحوكمة الديمقراطية، وتحقيق التنمية المستدامة.